السيد كمال الحيدري

342

التوحيد (بحوث في مراتبه ومعطياته)

فإذن هناك فعلًا كرسي لممارسة شؤون الربوبية والتدبير الألوهى للوجود ، بيدَ أنّه مصداقاً ليس من سنخ الكرسي الذي نألفه في حياتنا المادّية ، بل هو على النحو الذي يناسب شأن ربّ العزّة والجلال ، المنزّه عن الانفعال والتغيير والحركة والجسمية وما إلى ذلك من لوازم التوحيد الحقّ . ب : العرش : وهو في الأصل شئ مسقّف ، وجمعه عروش . والعرش شبه هودج للمرأة شبيهاً في الهيئة بعرش الكرم . وسمّى مجلس السلطان عرشاً اعتباراً بعلوّه : وَرَفَعَ أَبَوَيْهِ عَلَى الْعَرْشِ « 1 » ، كما قوله : أَيُّكُمْ يَأْتِينِى بِعَرْشِهَا « 2 » ، وكنّى به عن العزّ والسلطان والمملكة . وعرش الله ما لا يعلمه البشر على الحقيقة إلّا بالاسم ، وليس كما تذهب إليه أوهام العامّة ، فإنّه لو كان كذلك لكان حاملًا له تعالى عن ذلك لا محمولًا ، والله تعالى يقول : إِنَّ اللَّهَ يُمْسِكُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ أَنْ تَزُولَا وَلَئِنْ زَالَتَا إِنْ أَمْسَكَهُمَا مِنْ أَحَدٍ مِنْ بَعْدِهِ « 3 » . وقوله سبحانه : ذُو الْعَرْشِ الْمَجِيدُ وما يجرى مجراه قيل هو إشارة إلى مملكته وسلطانه لا إلى مقرّ له تعالى عن ذلك . وقال قوم في العرش هو الفلك الأعلى ، والكرسي فلك الكواكب . هذا ما ذكره الراغب « 4 » ، وهو خليط بين الجذر اللغوي والتحديدات العرفية والدينية ، كما أنّ الجملة الأخيرة فيه تشير إلى النظرية التي تستند في تفسير العرش والكرسي وما شابه على أساس علم الهيئة بصيغته البطليموسيّة القائمة على نظرية الأفلاك التسعة ؛ هذه النظرية التي أنهاها التطوّر العلمي الحديث في مجال الفلك والطبيعة والفيزياء .

--> ( 1 ) يوسف : 100 . ( 2 ) النمل : 38 . ( 3 ) فاطر : 41 . ( 4 ) المفردات في غريب القرآن ، مصدر سابق ، مادّة عرش ، ص 330 329 .